مصابات بـ”الإيدز”: نتمسك بحقنا في العلاج والإنجاب بسرية
عمان تايمز - Wednesday 26-02-2020 16:03

مصابات بـ”الإيدز”: نتمسك بحقنا في العلاج والإنجاب بسرية

 وقعت متعايشات أردنيات مع مرض نقص المناعة المكتسب (الإيدز) في دوامة جدلين أخلاقي وقانوني حول “إجبارية أو اختيارية الكشف عن مرضهن المعدي” لمقدمي الرعاية الطبية في القطاعين العام والخاص، عقب تعرضهن لجملة من الانتهاكات “الصارخة” التي اخترقت خصوصيتهن وكشفت عن أسرارهن.
تجارب هؤلاء “المتعايشات” المتراكمة مع ردات فعل القطاعين الطبي والتمريضي، دفعتهن للتخفي خلف جدار الصمت والتشبث بحقهن في العلاج والإنجاب بسرية، معتبرات أن إخفاء المعلومات ليس “انتقاميا” وإنما يولد ك”ردة فعل من سوء تعامل بعض الكوادر الطبية والتمريضية”، في وقت يحذر خبراء في القطاعين الطبي والقانوني من خطورة عدم تبليغ مقدمي الرعاية الصحية بهذا المرض المصنف عالميا ب”الساري”، وهو ما يشكل “قنبلة موقوتة” في المجتمع.
غير أن “المتعايشات” يعولن كثيرا، بحسب قولهن، على “عملية ضبط العدوى ومدى التزام مقدمي الرعاية الصحية بشروط السلامة العامة في المستشفيات والمراكز الصحية والعيادات الطبية وتعقيم الأدوات المستخدمة أو استعمال تلك الأدوات مرة واحدة بصرف النظر عن ارتفاع تكلفتها”.
وكشفت الأرقام الراشحة من المركز الوطني لمكافحة “الإيدز” التابع لوزارة الصحة عن 9 إصابات جديدة لأردنيات العام الماضي، ليصل العدد الإجمالي الى 87 سيدة منذ تسجيل أول إصابة العام 1986.
“قنبلة موقوتة” في زمن انتشار الأوبئة
ويرى خبراء أن الجدلين “القانوني والطبي حول التصريح بالمرض” هما بمثابة “ثغرة واضحة في برامج التوعية والفحص الطوعي للبرامج الوطنية المعنية بمكافحة الإيدز وعجزها عن الوصول الى مصابين جدد أو الفئات الأكثر اختطارا، وهم الرجال الذين يمارسون الجنس مع الرجال، والمتعاملات بالجنس مقابل المال، والأشخاص الذين يتعاطون المخدرات بإبر ملوثة”.
لم تع المتعايشات مع فيروس “الإيدز”، “أن قوانين طبية أردنية كفلت للطبيب عدم تقديم الخدمة والاعتذار لأسباب مهنية أو شخصية، فيما عدا حالات الإسعاف والطوارئ وإنقاذ الحياة، على أن يجد له البديل من بعد إنساني”، بحسب مؤسس مبادرة “القانون والإيدز” المحامي محمد الناصر.
ولتوضيح البعد القانوني حول خطورة عدم التبليغ عن الإصابة بمرض معد بشكل قصدي، أوضح الناصر أن هذا الفعل يشكل “جريمة” يعاقب عليها القانون الأردني، والمحكمة هي من يستخلص النية من وقائع الدعوى الجزائية “اذا أخفت المصابة مرضها عن قصد واتجهت نيتها الى تحقيق ذلك، أو ارتكبت جريمة توفر فيها القصد الاحتمالي، بمعنى أنها رضيت بالنتيجة ووافقت عليها”.
وفي حال وقع الضرر على مقدم الرعاية الطبية ولجأ للقضاء، أشار الناصر الى “أن المحكمة تقرر حجم الضرر الذي يقدره أصحاب الخبرة، خاصة إذا توافرت الأركان المعنوية والمادية والعلاقة السببية”.
قانون الصحة العامة وتعديلاته يشير في البند الخامس- الأمراض المعدية (المادة 22) الى أن “كل من أخفى عن قصد مصابا أو عرض شخصا للعدوى بمرض وبائي أو تسبب عن قصد بنقل العدوى للغير أو امتنع عن تنفيذ أي إجراء طلب منه لمنع تفشي العدوى، يعتبر أنه ارتكب جرما يعاقب عليه بمقتضى أحكام هذا القانون”.
فيما حظر قانون المسؤولية الطبية والصحية لسنة 2018 على مقدم الخدمة “إفشاء أسرار متلقي الخدمة التي يطلع عليها أثناء مزاولة المهنة (…) باستثناء حالات معينة حددها القانون ذاته”.
ولم يغفل دليل “الطب والطبابة” الحديث عن واجبات الطبيب التي تركز على “صون سر مريضه الذي ائتمنه عليه لأن الإخلال يؤدي الى كتمان المريض بعض المعلومات التي تحدد سير العلاج”، مؤكدا “أهمية إيجاد حل عندما يرفض معالجة أي مريضٍ في غير حالات الطوارئ والإسعاف لأسباب مهنية أو شخصية، وفي حال قبول المريض عليه رعايته وبذل كل جهد لتقديم العناية والعطف والإخلاص”.
وفي موازاة ذلك، تعمل جمعية “سواعد” للتغيير المجتمعي على الفصل في الجدل القانوني من خلال “الاستعانة بخبيرين في حقوق الإنسان والقوانين الأردنية لدراسة إجبارية أو اختيارية التبليع بما يكفل عدم انتهاك حقوق المريضات في السرية”، بحسب مديرها الدكتور عبدالله الحناتلة الذي أكد “أن مؤشرات التمييز بحق المتعايشات ترتفع كثيرا في أماكن تقديم الخدمات الصحية في المستشفيات والمراكز الصحية”.
واقترح الحناتلة، المدير السابق للبرنامج الوطني لمكافحة “الإيدز”، وضع استراتيجية جديدة لمكافحة المرض بعد أن حصلت وزارة الصحة على مساعدات دولية جديدة تقدر بـ5 ملايين دينار نهاية العام الماضي، من دون إغفال وضع إجراءات عقابية رادعة بحق كل من يمتنع عن تقديم الخدمات العلاجية للأشخاص المتعايشين مع الفيروس أو ينتهك حقوقهم وكرامتهم.
يشار الى أن وزارة الصحة حصلت العام 2007 على 1.25 مليون دولار أميركي من الصندوق العالمي للحفاظ على مستوى منخفض لانتشار فيروس “الإيدز” بين الأردنيين.
تشويه سمعة العيادات وخسارة الزبائن
حجج “واهية” اعتبرتها المتعايشات مع المرض عندما يعتذر مقدم الخدمة عن عدم علاجهن، مثل “الادعاء بالسفر أو عدم الاختصاص، فيما يذهب البعض الى اقتراح أسماء أخرى من زملاء المهنة الطبية”.
“الغد” استطلعت آراء عدد من أطباء النسائية والتوليد والأسنان في القطاعين العام والخاص، الذين عبروا بـ”خجل” عن رفضهم تقديم الخدمة للمتعايشات مع الإيدر خوفا من “تشويه سمعة عيادتهم وخسارة مرضاهم إذا تسلل أي خبر عن علاج هؤلاء المتعايشات”، فيما ترفض بعض الممرضات “حقن مصابات بإبر وريدية خوفا من انتقال الفيروس إليهن، خاصة في القطاع الحكومي”.
ورغم أن علاج الأمراض السارية ما يزال مثار نقاش بين الأوساط الطبية والتمريضية، تؤكد نقابة الأطباء “عدم إصابة أي من كوادرها بفيروس الإيدز بشكل قصدي حتى الآن”، بحسب رئيس لجنة الصحة العامة في النقابة الدكتور بسام الحجاوي، الذي أكد “أن التبليغ عن المرض المعدي يحمي طرفي المعادلة المريض والطبيب ويحد من تهديد الأمن الصحي في الأردن”.
ويؤكد نقيب الأطباء السابق الدكتور أحمد العرموطي “عدم رصد إصابات بين الأطباء بهذا المرض المعدي طيلة توليه إدارة النقابة بين الأعوام 2009-2013”.
رئيس لجنة المهنة بنقابة الأسنان الدكتور إبراهيم الهبارنة، يؤكد بدوره “أن النقابة لم ترصد انتقال الفيروس من مريض الى أي طبيب أسنان”، لافتا الى أنه “وبسبب شدة ألم الأسنان، فإن المصاب بالإيدز ربما يكتم إصابته بالمرض كي يحصل على العلاج”، داعيا الإطباء الى “تحديد ماهية الحالة الطارئة التي تجبر الطبيب على علاج مريض الإيدز”.
طبيب: “بدكم حرق.. لسا بتفكروا تخلفوا”
“بدكم حرق انتو لسا بتفكروا تخلفوا أطفال”، عبارة وقعت كـ”الصاعقة” على مسامع المصابة (سمر) عند مراجعتها أحد أطباء النسائية والتوليد في عمان.
الثلاثينية (سمر) تزوجت قبل 5 أعوام من رجل مصاب نقل الفيروس إليها من دون علمها، وحملت بطفل غير مصاب، إلا أنها واجهت مشكلتين؛ الأولى نظرة بعض الأطباء إليها وكأنها “عدوة لهم وتريد أن تنشر الفيروس”، والثانية ارتفاع تكلفة “الحمل”، الذي تم من خلال عملية طفل الأنابيب الذي لُقح اصطناعيا في رحمها.
لم تبلغ المتعايشة سمر -اسم مستعار- أي طبيب بعد هذا الموقف “اللاإنساني” عن إصابتها، فباتت تتلقى علاجها بكل سهولة، وحسب ما أكدت، فإنها “تتسلح بمعلومات طبية جيدة حول طبيعة مرضها تؤهلها للتعامل مع أي مضاعفات صحية قد تواجهها”.
لكن مديرة البرنامج الوطني لمكافحة الإيدز الدكتورة هيام المقطش، أقرت بـ”سلوك التمييز الذي يمارسه أغلب من يعمل في القطاعين الطبي والتمريضي بخصوص تقديم الخدمة لمتعايشات”، لافتة الى “أن البرنامج يتابع أي شكوى ليصار الى حلها مباشرة”.
وأوضحت المقطش “أن الوزارة خصصت مستشفيي البشير والأمير حمزة الحكوميين، بالإضافة الى المراكز الصحية الشاملة، لعلاج مرضى الإيدز مجانا، غير أن المتعايشات من تجاربهن المحبطة مع الطواقم الطبية يفضلن الهروب الى القطاع الخاص”.
وتختلف تجربة الثلاثينية عبير -اسم مستعار- عن المصابة سمر، فقد رفضت أكثر من طبيبة نسائية وتوليد إجراء عملية قيصرية لها عند ولادتها، فلجأت إلى أحد المستشفيات بحالة طارئة وأبلغتهم عن مرضها لاتخاذ الإجراءات الوقائية لضبط العدوى.
“الحمد لله رزقني الله بطفلة غير مصابة، لن أرضعها مني حتى لا أنقل لها الفيروس”، تقول عبير التي تزوجت قبل عام من رجل مصاب، فلجأت الى القضاء وطلبت الطلاق منه “ليس فقط بسبب نقل الإصابة إليها، وإنما أيضا لاستمرار تعنيفه لها وإدمانه على المشروبات الكحولية”.

[ الموقع لايتبنى بالضرورة وجهات النظر الواردة فيه. وإنما هي وجهات نظر أصحابها، ونحن نقوم بنشرها إيماناً منا بحرية الرأي وفتح نافذة للنقد البناء وتبادل الأراء.. ومن حق الزائر الكريم أن ينقل عن موقعنا ما يريد على أن يشير برابط الى موقعنا. ]

موقع إنترنت: www.ammantimez.net- بريد إلكتروني: ammantimez@hotmail.com

Powered by Double Support